النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: قصة (خالي جيانغ واو ) لـعزيز نيسين ,,تستحق القراءة

  1. #1
    مشرف عام
    تاريخ التسجيل
    Jan 2017
    المشاركات
    345

    قصة (خالي جيانغ واو ) لـعزيز نيسين ,,تستحق القراءة



    خالي (جيانغ واو)

    استشهد والدي في الحرب عندما كنت جنيناً في بطن أمي، لذلك فأنا لا أعرفه بتاتاً، وخالي (جيانغ واو) شارك في الحرب أيضاً. لذلك عانت أمي وعاشت أياماً عصيبة جداً. وعندما عاد خالي من الحرب كنت في الثالثة، أظن أنه عاد معوقاً وبسبب إعاقته لم يتزوج.
    ذات مساء صيفي حار، كانت الشمس تغيب كقرص نحاسي أحمر. عادة كان خالي يمضي في أمسيات الصيف الحارة ساعات طويلة فوق سطح البيت مستظلاً بعريش الياسمين وهو يشرب عرق الأرز. كان عندما ينتشي) من شرب العرق يصبح مثل الملك، ولا يرغب أن يزعجه أحد.
    كانت أمي قد جهزت له مائدة الشراب، وبينما كان يتأهب للجلوس إلى مائدته بعدما غسل يديه أعلمته أمي عن مجيء الخفير (يونغ تشي) وانه راغب بلقائه. صرخ خالي منزعجاً من قدومه في هذه الساعة دون أن يتحرك من مكانه:
    - أهلاً وسهلاً (تشي) ماذا حصل وماذا تريد؟
    الجميع هنا كانوا ينعتونه بالخال مثلي لذلك رد عليه:
    - ستأتي إلى المخفر يا (واو) الخال، يطلبون حضورك إلى هناك.
    أجابه خالي: ـ حسناً، سآتي غداً.
    ابتعد الخفير (تشي) إلى منتصف الزقاق ورفع رأسه كي يتمكن من مشاهدته:
    - ستأتي الآن ولا يمكن التأجيل إلى الغد.
    سأله خالي دون أن يعكر صفو مزاجه:
    - ولم لا يمكن أن آتي غداً في الصباح الباكر؟
    - هكذا قال رئيس المخفر.
    - وأنا لا يمكنني الذهاب في هذه الساعة إلى أي مكان، بلغه تحياتي وقل له إنه سيأتي صباح الغد باكراً.
    - لا ياخالي (واو) هذا لا يجوز، سآخذك الآن.
    صرخ خالي بأعلى صوته قائلاً:
    - لن آتي.
    - كيف يعني لن تذهب؟
    - هكذا، كما ترى لن آتي أفهمت، أم لا؟
    صرخ الخفير (تشي): - ستأتي!..
    صرخ خالي غاضباً-: لن آتي، وهيا انقلع من هنا.
    - ولك ، قلت لك ستأتي يعني ستأتي!.
    دلق خالي في جوفه عدة رشفات من كأسه دفعة واحدة، ووضع في فمه بعض المازة ثم قال:
    - لا أحد يجبرني في مثل هذه الساعة على التحرك من مكاني حتى لو انخلعت الأرض من مكانها.
    - انظر يا خالي (واو) أنا أعرفك منذ سنوات طويلة، فلا تغضبني.
    تجرع خالي من قدحه جرعة أخرى ثم قال-: إيه، وماذا ستفعل إذا غضبت؟
    راح الجيران ينصتون لحديثهما من أسطح بيوتهم باهتمام وفضول.
    - أنت إذاً تعارض خفير الدولة.
    نهض الجيران واقفين رغبة في معرفة الموضوع عن كثب وأخذوا يضحكون عندما سمعوا خالي وهو يقول له:
    - ولك، عليك وعلى من عينك خفيراً.. بعدها راح يستخدم شتى أنواع الشتائم القاسية الطويلة من قاموسه.
    - اذا كنت رجلاً فأعد ما قلته ثانية..
    عندما أعاد خالي شتيمته المدهشة ثانية راح المتواجدون على الأسطح يقهقهون بأصوات عالية، ومن طرافة الموقف راح الخفير (تشي) يشاطرهم القهقهة. كان خالي الوحيد الذي لم يقهقه معهم.
    - هذا يعني أنك ترفض دعوة رئيس الخفر.
    ارتشف خالي من قدحه وراح يلوح بقبضته اليمنى بعدما مسح ما علق على شاربيه بقفا يده:
    - عليك.. وعلى مفوضك.. وتابع شتائمه....
    - هذا يعني أنك ترفض الإمتثال لأوامر الحكومة أليس كذلك؟.
    تعالى صخب الجوار بينما كان خالي ينهال عليه بسلسلة من الشتائم حتى أن أحدهم طلب من خالي قائلاً:
    - إننا لا نسمعك هنا يا خالي، اصرخ بصوت أعلى كي نسمعك.
    - إذا فأنت تدوس القوانين أيضاً؟
    - ولك، على القوانين، وعلى من وضع القوانين.
    كانت قهقهات الجوار تتعالى باستمرار على أسطح المنازل في تلك الليلة الصيفية الحارة، بعضهم يقهقه ممسكاً ببطنه، وآخر منبطحاً على الأرض من شدة الضحك. إحداهن شقت بصوتها صخب قهقهاتهم قائلة:
    - آه يا خالي (واو) لقد بُلتُ تحتي وبللت سراولي من شدة الضحك، سأفقد وعيي من شدة الضحك يا خالي (واو).
    كل شتيمة يطلقها خالي لا تشبه سابقتها، وفي كل مرة كان يشتم واحدة جديدة، فلا أحد يستطيع مجاراته في ذلك في كل تايوان.
    راح الخفير (تشي) يستفز خالي، فلم يوفر خالي سبابه على الخفير والمفوض والمخفر وحتى الحكومة وقوانينها، وأية شتائم مقذعة! حتى أن أمي راحت ترتجف خوفاً من شتائمه بينما راح الجوار على الأسطح يصفقون له كلما أطلق شتيمة.
    كنت حين ذاك في السابعة عشرة من العمر.
    يومها لم يذهب خالي إلى مخفر الشرطة، ولم يعكر مزاجه بتاتاً.
    لا أدري لمَ لم يذهب خالي يومها إلى مخفر الشرطة، أهو الخوف أم النسيان؟ لو ذهب لعرفت، لأنني أنا من سيأخذه بيده بسبب عجزه.
    مساء اليوم التالي، وبينما كان قرص الشمس النحاسي الأحمر يختفي في المغيب، انتهت أمي من تحضير مائدة خالي، وبعد أن ارتشف الرشفة الأولى من قدح العرق، سُمع صوت الخفير (تشي):
    - هيه، يا خالي (واو).. عمت مساءً.. هيا ستأتي معي إلى المخفر..
    أجابه خالي:
    - لن أعكر مزاجي في هذه الساعة يا (تشي)، ولن أذهب إلى أي مكان.
    استمر الحديث في تلك الأمسية كما في الأمسية السابقة تماماً، الخفير (تشي) يستفز خالي وهو يرد عليه بالشتائم، وقهقهات الجوار تتعالى على الأسطح، شتائم خالي في هذه الأمسية كانت أطول من سابقتها، وفي الليلة الثالثة تكرر الشيء نفسه حتى أن الجوار اعتادوا هذا النوع من التسلية لدرجة لو تأخر الخفير (تشي) قليلاً قالوا:
    - أين هو؟.. لم تأخر الخفير (تشي) هذه الليلة.
    - لقد تأخر هذا المساء.
    - هل نرسل أحداً كي يأتي به؟
    ومن يراه قادماً يصفق فرحاً -: ها هو قد أتى!..
    أخذ بعض الجوار من الأحياء الأخرى بالقدوم إلى حينا كي يستمعوا إلى شتائم خالي وحديثه هو مع الخفير (تشي) وهكذا تمتلئ الأسطح بالضيوف من تلك الأحياء.
    وأخير اً اعتادت أمي،، ولم تعد ترتعد خوفاً كالسابق، ولم تعد تبكي، تستمع بصمت، بل إنها أخذت بعض الأحيان تشاركهم في القهقهة لعدم قدرتها على تمالك نفسها.
    استمر ذلك لمدة أسبوعين، وكان سيستمر أكثر من ذلك، لو لم يخبر أحدهم المخفر عن ذلك، ولم يعرف من هو المخبر، حتى أن الجوار والذين ساءهم هذا الموقف كانوا يقولون "أخ لو نعرف من هو هذا المخبر"، لكن ما عرف بشكل مؤكد هو أن الخفير (تشي) لم يقم بذلك، وأنه لم يخبر المفوض عن شتائم خالي أثناء مهمته الرسمية، حتى أنه ذات مساء قدم إلى بيتنا وأعلم خالي بانزعاجه عن هذه الأخبارية وتمنى ألا يُشك فيه في ذلك، بينما كان خالي يحاول تهدئته:
    - لا تنزعج يا (تشي) ولا تهتم، حتى أنه قدم له قدحاً من العرق.
    أخذت خالي العاجز إلى مخفر الشرطة، وهناك قال له الخفير الذي يعرفه من قبل:
    - أهلا وسهلا يا خال، عليك إخبارية أصحيح ما تناهى إلينا أنك تطاولت على قوانيننا ومسؤولينا وحكومتنا والوالي العام؟ ولم يكن ذلك مرة واحدة بل تكرر ذلك عدة مرات، أصحيح ذلك يا خالنا (واو)؟
    أجابه خالي:
    - يوووه نعم لقد شتمت.
    - فكر جيداً وحاول أن تتذكر ، بالتأكيد لم تشتم أحداً لأنه لم يسمعك أحد من الجوار.
    أجابه خالي مستغرباً:
    - أستغرب ذلك كثيراً خاصة أنني سببت بصوتٍ عالٍ سمعه الجميع.
    دخل جميع رجال الشرطة غرفة المفوض حالاً عندما علموا بقدومهم خالي، ومن لم يجد منهم مكاناً له في الغرفة وقف في الممر، وراحوا يستمعون إلى ما يقوله خالي من الباب المفتوح.
    سأله المفوض:
    - إذاً فأعلمنا كيف جرى ذلك؟
    راح خالي بشرح التفاصيل دون أن يغير ما جرى أو يحرفه والمفوض يسأله: وهل شتمت هذا؟
    ويجيبه خالي قائلاً:
    - نعم شتمته.
    - حسناً وكيف شتمته؟
    راح خالي يعيد الشتيمة كما أطلقها أمام المفوض. وبينما كان المفوض يسأله هل شتمت فلاناً؟
    وفلاناً؟ وفي بعض الأحيان كان المفوض يذكر بعض أسماء الذين لم يشتمهم وهنا كان خالي يقول للمفوض:
    - آه، لقد نسيته.
    طلب المفوض من خالي مراجعته في اليوم التالي، وبالفعل أخذته إلى المخفر وهناك تكررت الأمور ثانية كسابقتها تماماً:
    - خالي (واو) هل شتمت فلاناً؟.
    - نعم شتمته.
    - وكيف شتمته؟
    يكرر شتيمته ثانية. وبعد مراجعات استمرت عدة أيام قال المفوض:
    - سأحيلك إلى النائب العام.
    أخذت خالي إلى النائب العام. بعد دخولنا الغرفة قدم عدة أشخاص ، وعلى الأغلب النائب العام والمحقق كانا بينهم، وبعدما قرأ المحقق إفادة خالي التي قدمها في المخفر سأله:
    - هيا حدثنا عما جرى.
    قام خالي بشرح كل ما جرى ثانية.
    - كيف شتمت؟.. هيا أعلمنا ثانية.
    استمر استجواب خالي عدة أيام، وفي كل يوم كان يزداد عدد المتجمهرين في الغرفة، وأخيراً أحالوه إلى المحكمة. قام جيراننا بجمع مبلغ من المال فيما بينهم واتفقوا مع محام ليدافع عن خالي، وحسبما يروى فإنه من أفضل محامي تايوان. سمعنا أن الخفير (تشي) ومفوض المخفر ساهما أيضاً في هذا المبلغ. وبعد أن سمع المحامي أقوال خالي تنازل عن جميع أتعابه، وهكذا تم تقديم المبلغ المذكور لخالي.
    أخذته يوم الجلسة إلى المحكمة. ولكن أي حشد كان هناك! حتى أن رواق المحكمة كان يضيق عليهم فتوزعوا في الممرات، قدم الجميع رغبة في الاستماع . وعندما علمت أمي أنهم سيوقفونه بعد الجلسة الأولى حزنت كثيراً وراحت تشهق من البكاء مقرفصة جانب الجدار.
    وبعدما تثبّت القاضي ذو القسمات القاسية من بطاقة خالي الشخصية أعلمه أنه متهم بالتطاول على المقام المقدس واشخاص عدة، وسأله عن أقواله:
    - هل شتمت؟.
    طلب المحامي من خالي مصرّاً عدم الاعتراف بما نسب إليه، خاصة أنه لا يوجد من يشهد بذلك، حتى الخفير كان سيقول إنه لم يسمع بذلك. وبسبب سؤال القاضي راح خالي فترة من الزمن يبتلع ريقه، وكأن ثمة شيئاً كبيراً علق في حلقه، وهو يحاول إخراجه جاهداً، ولكنه في النهاية استطاع إخراجه عندما قال:
    - نعم شتمت.
    ارتفع في قاعة المحكمة صوت صخب وضجيج.
    سأله القاضي:
    - ومن شتمت، وكيف شتمت؟
    راح خالي يعدد أسماء الذين شتمهم.
    انفردت أسارير القاضي، وبدت على وجهه أمارات الراحة، هل شتمت فلاناً؟.. وفلاناً.. رد عليه معترفاً.
    - لم شتمتهم؟ وماذا قلت؟..
    راح خالي وبقوة غير متوقعة قياساً لعمره يكرر الشتائم تماماً كما كان يشتم على السطح وفي مخفر الشرطة وأمام المحقق. أجل القاضي الجلسة القادمة مدة شهرين، ولهذا السبب استمرت جلسات المحكمة مدة طويلة. أخذت خالي بعد شهرين إلى المحكمة. وثانية تكرر نفس الشيء.
    - هل لديك شهور يثبتون أنك شتمت؟
    أجابه خالي:
    - كثيرون من يشهدون على ذلك وفي مقدمتهم الخفير (تشي) وجميع الجوار لأن ذلك كان في الصيف، وجميعهم كانوا على أسطح منازلهم.
    جرت المقابلة بين خالي والخفير (تشي) كما في المسرح تماماً إذ كررا ما دار بينهما في الليلة الأولى، وفي الجلسات التالية تمت دعوة الجوار كشهود، وهكذا راحت فترة محاكمته تطول. حتى أن ذلك المحامي المشهور كان يستغرب ذلك ويعبر عن عدم فهمه لأسباب إطالة مدة المحاكمة.
    استمرت محاكمة خالي أكثر من سنتين، ولم تنته لأن ملف القضية طوي وأغلق بسبب صدور عفو عام.
    استمر خالي في شرب العرق الذي تقطره أمي من الأرز، صيفاً على السطح وشتاءً في غرفة الموقد.
    ذات يوم انقلب خالي وقدح العرق بيده ومات. أقيمت لخالي مراسم جنازة لم تشاهد من قبل إذ شارك فيها جميع أهالي منطقتنا وحتى المناطق القريبة منا، وقد شارك الخفير (تشي) في تلك المراسم، وكان يبكي بحرقة ومرارة وكذلك المفوض وعناصر المخفر، لم أشاهد المحقق الذي أجرى التحقيق مع خالي لكنني رأيت القاضي.
    جميع المشاركين كانوا يتذكرون شتائم خالي ويرددنها وأطلقوا عليه لقب أهم الشتامين.
    الصور المرفقة الصور المرفقة  

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •