حُكْم قراقوش!!












قراقوش عبقرية ظلمها التاريخ









[COLOR=rgba(0, 0, 0, 0.9)]
لقد ثبت تاريخيا أن (قراقوش) لم يكن ظالما، بل كان من أعدل من مارس الحكم في مصر
تنتشر في مصر جملة دارجة على الألسنة تقول: "حكم قراقوش"، وتقال للشخص إذا كان صاحب سلطة ومَالَ إلى البغي والظلم، فتُقال للوزير والمدير وأحيانًا لرب الأسرة. وعلى جانب آخر صوَّرت بعض المصادر قراقوش كمثال للسذاجة والبله، وحكيت عنه حكايات تشير إلى شخص أحمق وغبي ويثير الضحك.. والبعض يتصور أن قراقوش شخصيَّة لا وجود لها، لكن الحقيقة غير ذلك؛ لأن شخص قراقوش كان مثالاً للعدل، ومثالاً للعطاء بلا حدود.. وكان واحدًا من ثلاثة بَنَى عليهم صلاح الدين الأيوبي أركان حكمه.




وقراقوش أو بهاء الدين قراقوش، هو شخصية تاريخية حقيقية، فمن هو؟ وهل كان حاكما مستبدا أم رجلا صالحا عادلا قويا؟ وهل ما حكي عنه من قصص فكاهي له أساس من الصحة؟ أم أنه محض كذب وافتراء على الرجل؟
اصل قراقوش

قراقوش في الأصل غلام مملوكي جيء به من أسواق النخاسة، وقد يكون من أصل تركي، وكان خصيًّا، وألحق بمماليك
أسد الدين شيركوه





وقتما كان يعمل هو وأخوه
نجم الدين أيوب في خدمة السلطان عماد الدين زنكي بالشام، واستمر أسد الدين وأخوه نجم الدين في خدمة آل زنكي ومعهما قراقوش، الذي أسلم على يد سيِّده أسد الدين، وأصبح اسمه بهاء الدين عبد الله الأسدي، وأعتقه بعد ذلك، وصار مشهورًا بالأمير بهاء الدين قراقوش، وأصبح بعد ذلك من كبار أمراء أسد الدين شيركوه، وأيضًا من كبار قادة جيشه.

وقراقوش، اسم تركي، معناه: النسر الأسود، وهو لفظ تركي مكون من (قره) بمعنى أسود، و(قوش) بمعنى طائر. واستطاع قراقوش السيطرة على قصر الحكم وما فيه، وضرب مثلا عظيما في الأمانة ونظافة اليد.

إنجازات قراقوش في مصر:

كان صلاح الدين الأيوبي يقيم أركان حكمه على ثلاثة أشخاص، وهم: الفقيه عيسى الهَكَّاري، والقاضي الفاضل، وقراقوش. وكان هؤلاء الثلاثة هم وراء تثبيت دعائم دولة صلاح الدين الجديدة، ومن بين الثلاثة برز قراقوش وتميَّز عن الجميع، فكان دوره كبيرًا في السيطرة على حالة الفوضى التي عمَّت في مصر بعد موت الخليفة العاضد ومحاولة بعض رجاله الدخول في صدام مع صلاح الدين لبقاء مصر تحت راية الفاطميين..
و احتاج صلاح الدين الأيوبي إلى منشآت حربية ومدنية، كان من أهمها إذ ذاك إقامة الجسور، وتطهير الترع، وتشييد القلاع والأسوار المحيطة بالبلاد، لتقيها شر غارات الأعداء من الخارج، فانتدب صلاح الدين لذلك: بهاء الدين قراقوش، فأقام أول ما أقام (قلعة الجبل) وهي ما يعرف حاليا بقلعة محمد علي، فقد بناها قراقوش على أعلى الجبل، لتكون مطلة على القاهرة كلها، وقد اتخذت من بعد صلاح الدين مقرا للحكم، حتى عهد محمد علي، ثم في عهد إسماعيل انتقلت دواوين الحكم إلى دور أخرى وسط مدينة القاهرة.


قلعة محمد علي

وبنى قراقوش أيضا بعد قلعة المقطم، قلعة أخرى، تسمى قلعة (المقس) على النيل، وبنى بالقرب منها أبراجا أخرى على النمط الإفرنجي، ثم بعد هذه الأبنية شغل نفسه بمشروع آخر مهم لمصر، وهو إقامة سور عظيم على حافة الصحراء الغربية، قطع له الحجارة من الأهرام الصغيرة، وبناه تجاه الجيزة على مسافة بعيدة منها، وانتدبه صلاح الدين الأيوبي ليبني سورا يحيط بمصر والقاهرة، وقد فعل، ويروى أن مجرى العيون كذلك بناه قراقوش، والذي لا يزال أثره موجودا في مصر القديمة حتى الآن. ثم طلبه صلاح الدين ليرمم له سور (عكا) والذي اخترق عن طريقه الصليبيون للوصول للقدس واحتلاله، فرممه، وأثناء ترميمه، تعرض قراقوش ومن معه لحصار من الإفرنج لمدة عامين، أدار الحصار بشكل ماهر كبير.



سور (عكا)


  • وإضافة إلى هذا الدور العظيم الذي قام به قراقوش في مصر، كان له دور مهم أيضًا قام به في الشام، وبالتحديد في عكا، فبعد انتصار صلاح الدين على الصليبيين ونجاحه في طردهم من بيت المقدس، واصل زحفه حتى استولى على واحد من أهم وأكبر حصونهم في الشام، وهو حصن عكا، بعد أن دفع فيه ثمنًا غاليًا من المال والشهداء، وكان الحصن قد تهدمت منه أجزاء كثيرة أثناء المعارك، ورأى صلاح الدين أن يترك عكا وحصنها أمانة في يد قراقوش، ويذهب هو ليواصل زحفه لامتلاك حصون الصليبيين الأخرى، قبل أن يفيقوا من هزيمتهم في عكا، ويتمكنوا من جمع شملهم الذي تفرق، وقبل أن يأتيهم المدد من ملوك أوربا..

    بقي قراقوش حارسًا للمدينة مع حامية صغيرة، وواصل الليل بالنهار يبني ويرمم ما تهدَّم من سور المدينة وحصنها، وعكف على هذا العمل بهمةٍ لا تعرف الملل، وعزيمة لا تعرف الكلل.


مصدر الأكاذيب على قراقوش:
ثم مات صلاح الدين الأيوبي، وظل قراقوش رجل الدولة الأيوبية، وفيا لأبناء صلاح الدين، وحدثت خلافات بين الأبناء وعمهم، كان انحياز قراقوش لأبناء صلاح الدين، إلى أن استتب الأمر في مصر للعادل أخو صلاح الدين، وكان قراقوش في نهاية عمره، وقد اعتزل العمل، ثم مات. هذا موجز عن قراقوش فيما اتفقت عليه كتب التاريخ ملخصا، ولكن قراقوش لا يذكر إلا ومعه أديب مصري، اسمه: الأسعد بن مماتي، وقد وضع كتابا عنوانه: (الفاشوش في أحكام قراقوش)، ملأه بالسخرية والأكاذيب على الرجل، حتى قال مؤرخ عظيم عاش في أواخر الدولة الأيوبية وهو: ابن خَلِّكان فكتب ترجمة لقراقوش قال فيها: (والناس ينسبون له أحكاما عجيبة، في ولايته نيابة مصر عن صلاح الدين، حتى إن الأسعد بن مماتي له فيه كتاب لطيف، سماه: (الفاشوش في أحكام قراقوش) وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه، والظاهرة أنها موضوعة، فإن صلاح الدين كان يعتمد في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه).فمن هو ابن مماتي كاتب الكتاب، وما سبب كتابته كتابا لا يمت للحقيقة بصلة، وهو مصري مسيحي من أسيوط، وكان جده ممن يعملون في الدواوين، وكان والده من كتبة الديوان في الجيش، وعلى ديوان الإقطاعات، وقد أحس والد ابن مماتي بالتضييق عليه لديانته، فأسلم هو وأبناؤه جميعا، وكان شعراء مصر يكتبون فيه شعرا ساخرا تندرا بإسلامه للمنصب. وبعد وفاة الأب قام الابن وهو الأديب المعني بحديثنا بالإمساك بوظائف أبيه، في ديوان الجيش، ثم بعدها ديوان المال، ويبدو أن ما كتبه الأسعد بن مماتي، كان من باب الحسد على بلوغ قراقوش مكانته وثقة الحكام به وبقدرته، وهي مكانة لم ينلها أحد غيره في زمانه، فكتب كتابه الساخر المملوء بالأكاذيب والحكايات المختلقة على الرجل.

خطورة القلم والإعلام في كل زمان:

لقد ثبت تاريخيا أن (قراقوش) لم يكن ظالما، بل كان من أعدل من مارس الحكم في مصر، وكان قويا حازما نابغا في إدارتها، ولكن إعلام زمانه، وهو الأدب وقتها، تسلَّط عليه، وهو درس التاريخ الدائم: أن الفكرة لا تقوى على محاربتها إلا فكرة، وأن صاحب القلم يمتلك وسيلة قوية يستطيع بها الهدم أو البناء، ولذلك كانت خطورة الكلمة والقلم، وهذا ما كان يخشاه محمد صلى الله عليه وسلم حين رفض قتل المنافقين، فقال: أخشى أن يقال إن محمدا يقتل أصحابه، أي أنه خاف من الحملة الإعلامية وراعى ذلك، ولذلك قال مؤلف الكتاب في مقدمته: (ألا ما أقدر الأدباء في كل زمان ومكان على أن يقلبوا الحق باطلا، والباطل حقا، والسخيف من أحسن الأعمال حسنا، الحسن سخيفا، وكم في تاريخ البشر من رجال عظماء أهملهم الأدب، وعفّى على آثارهم، ورجال ليسوا بعظماء أبى الأدب إلا أن ينهض بهم، ويخلق منهم بالكذب أبطالا يتغنى الناس بمدحهم، وهو ليسوا أهلا لهذا المدح!). وهو ما لم ينتبه إليه قراقوش الذي كان جنديا لا خبرة له بالأدب، ولا علم له بمدى قوته وخطورته، وكان حظه أن تسلط عليه لسان أديب أريب كابن مماتي، فصنع به وبشخصيته ما رأينا، ونسي الناس عدل الرجل وإنجازاته، أمام أكاذيب ابن مماتي.

[/COLOR]